Pin It

ندوة وطنية حول" اللامركزية والتحديات الإقتصادية "

يوم الخميس  21 جانفي 2016 بنزل أفريكا

 

تحت إشراف المعهد الجمهوري الدولي وبالشراكة مع " المعهد الوطني للتنمية السياسية "   و" جمعية نماء تونس"  و" منتدى الشباب لثقافة المواطنة " و" شبكة من حقي نسائلك " ساهم " مرصد المنستير الحضري " بفعالية ونجاعة في إنجاح الندوة الوطنية التي انعقدت  بنزل أفريكا بتونس العاصمة تحت عنوان : " اللامـــــركـــزيــة والتحـــديــــات الإقتصادية " .

انطلقت الجلسات 9:30 صباحا بكلمة افتتاحية للدكتور عادل الهنتاتي والتي ركز فيها على مقومات الفعل الاقتصادي الناجع الذي يتحقق عن طريق توفير الموارد اللازمة ومراعاة خصوصيات المنطقة المعنية بالفعل التنموي.

احتوت الندوة على أربع مداخلات الأولى كانت للدكتور عبد الجليل البدوي تحت عنوان "التحديات الاقتصادية وسبل معالجتها"، أما المداخلة الثانية فكانت للدكتور محمد بن سقا باللغة الفرنسية تحت عنوان « la décentralisationotage de l’absence d’une planification stratégique intégrée »، أما المداخلة الثالثة فكانت للأستاذ عمر السيفاوي تحت عنوان "تسوية الأراضي الدولية والاشتراكية، أما المداخلة الأخيرة فكانت للسيد الطاهر الودرني حول "التقسيم الترابي للبلاد التونسية". وقد تبعت كل مداخلة جلسة نقاش للحضور.

 

أكد الدكتور عبد الجليل البدوي في مداخلته حول "التحديات الاقتصادية وسبل معالجتها" على أنه لا يمكن معاينة التحديات الاقتصادية بمعزل عن قراءة شاملة للمشهد العام بجميع عناصره الاجتماعية، السياسية، المؤسساتية والثقافية وغيرها...

 

وهذا المشهد العام يتسم بثلاث عناصر أساسية. الأول يتعلق بالمكاسب الدستورية من خلال إعادة توزيع السلطة وخلق قواعد جديدة لتوزيع الثروة. فقد نص الدستور على جملة من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كالحق في التنمية عن طريق التمييز الإيجابي وحقوق الأجيال القادمة والحق في البيئة السليمة. وقد انتهج الدستور تمشيا اقتصاديا يفتح مجالا واسعا من الحرية أمام الفعل العمومي الاقتصادي.

 

أما العنصر الثاني فيتعلق بالمستجدات والمتغيرات التي تتناقض مع هذه المكاسب من خلال منوال تنموي فاشل كرس المنطق السلعي المعتمد على الربح العاجل في جميع مجالات الحياة مقابل تراجع التضامن المؤسساتي مما يشكل تحديا كبيرا أمام المكاسب الدستورية. وهذا التناقض يبرز من خلال البعد الإنساني الذي تقوم عليه هذه المبادئ والمنطق الفرداني الذي يقوم عليه منوال التنمية.

 

وقد أكد الدكتور عبد الجليل البدوي على ضرورة إيجاد تناغم بين السياسي والاقتصادي عن طريق إيجاد منوال تنموي جديد قادر على تحقيق هذه المعادلة. كما أنه يجب اليوم مساءلة النظام السياسي (برلماني معدل) الذي لم يحقق الاستقرار السياسي عن طريق الانتخابات. حيث أن هناك العديد من الخلط على المستوى التطبيقي لهذا النظام.

 

فالاستقرار السياسي يمثل أحد التحديات الكبرى أمام تحقيق التنمية الاقتصادية، وقد اقترح للخروج من هذه الأزمة إعادة النظر في القانون الانتخابي والنظام السياسي وإعادة توزيع الصلاحيات بين رؤوس السلطة وإحاطة أعضاء مجلس الشعب بالتكوين اللازم.

 

أما العنصر الثالث فيتعلق بالخلط بين السياسي والديني في مرحلة أولى وزواج المال الفاسد بالسياسة في مرحلة ثانية. مما سيعسر عملية الانتقال الديمقراطي الاقتصادي الذي يتطلب تنازلا عن المواقع من قبل السياسيين أولا ورجال الأعمال المتدخلين في السياسات الاقتصادية ثانيا.

 

هذه العناصر أنتجت هوة كبيرة بين السياسيين والواقع الاجتماعي والاقتصادي.

 

أما التحدي الثاني الذي يواجه تحقيق التنمية الاقتصادية فهو ضعف الدولة ومؤسساتها التي تراجع مردودها مما نتج عنه فقدان الدولة لهيبتها وانعدام ثقة المواطن فيها. فالأول سببه انتشار ظاهرة الاقتصاد الغير منظم والموازي الذي تسيره المافيات في شكل شبكات بعيدا عن أي مراقبة أو مساءلة وبدون دولة قوية قادرة على التصدي لذلك. أما الثاني فهو من إفرازات عدم قدرة الدولة على مواجهة هذه الشبكات فقامت بتعويض العدالة الانتقالية بصفقات مالية وتساهلت مع الفاسدين متناسية أن تسهيل الدورة الاقتصادية لا يتم إلا بتكريس مبادئ الشفافية والمحاسبة.

 

وقد أرجأ الدكتور عبد الجليل البدوي تدهور الحالة الاقتصادية إلى السياسات المتبعة من قبل الحكومات السابقة التي أعادت نسج نفس منوال التنمية القديم وقامت بالإصلاح فقط عن طريق توسيع دائرة الامتيازات دون الأخذ بعين الاعتبار الحالة الاقتصادية للبلاد. إلى جانب عدم وجود رغبة سياسية في اتخاذ  إجراءات إصلاحية جذرية للنهوض بقطاع الاستثمار العمومي الذي يشكو من قلة الموارد.

 

إلى جانب هذه المتغيرات السياسية هناك متغيرات هيكلية تمثل عائقا أمام تحقيق التنمية الاقتصادية بسبب تنامي حجم الاقتصاد غير المنظم، تراجع أداء المؤسسات وتوتر العلاقات المهنية والاجتماعية (الإضرابات والشطط في المطالب).

 

وللخروج من هذه الأزمة يجب تكوين الإطارات النقابية حتى تكون قادرة على الدخول في حوارات اجتماعية تتسم بالنجاعة على مستوى الإصلاحات ويكون لها قوة الاقتراح والمبادرة.

 

إلى جانب ذلك هناك عجز في تونس على أربع مستويات. الأول يتعلق بندرة المياه مما يمثل تحديا أمام تحقيق نهضة فلاحية وصناعية. أما الثاني فيتعلق بالعجز على مستوى الطاقة وتراجع إنتاجها بسبب ارتفاع كلفة استخراج النفط مما نتج عنه التخلي عن عديد الآبار. أما المستوى الثالث فيتعلق بالعجز الغذائي بسبب سوء التصرف في الموارد. أما العجز الرابع فيتعلق بافتقار الطبقة السياسية في تونس لطموحات لهذا الشعب. فالواقع السياسي محبط لوجود سياسيين يحترفون فن الكلام دون حمل مشاريع سياسية حالمة.

 

لذا يجب على الدولة أن تسترجع دورها الحقيقي لتحقيق التضامن بين المؤسسات وتحقيق الأمن لجلب الاستثمار مع العلم أن هذا التحدي يرتفع على المستوى المحلي ومحاسبة الفاسدين والتصدي للمال السياسي الفاسد.

أما الدكتور محمد بن سقا فقد انطلق في مداخلته حول « la décentralisation otage de l’absence d’une planification stratégique intégrée » بالتأكيد على أن اللامركزية تمثل أهم مقومات تحقيق الرفاه الاجتماعي وهي الأساس الذي يجب الانطلاق منه لوضع استراتيجيات اقتصادية وهذه الأخيرة يجب أن تكون نتاج عمل جماعي وليس فردي.

 

وتتمثل أهم التحديات التي تواجهها تونس اليوم في عجز على عدة مستويات. أولا على مستوى الطاقة حيث لم يتم حتى تنفيذ المخططات القديمة المتعلقة بالموضوع مما سيجعلنا في تأخر دائم فتونس اليوم تستورد 40% من حاجياتها في الطاقة.

 

ثانيا عجز على المستوى الغذائي يرتبط أساسا بالتكثيف من إنتاج الحبوب في مقابل تفقير الأرض وذلك منذ الستينات إلى اليوم  مع عدم الأخذ بعين الاعتبار للمواسم الجافة مما نتج عنه ارتفاع في واردات الحبوب. وهذا المشكل تصحبه عراقيل عقارية تتمثل في تشتت الملكية وتغيير صبغة الأراضي وغياب خارطة فلاحية. في مقابل كل هذه المشاكل لم يكن هناك نقاش حقيقي لتحديد إستراتيجية رغم وصولنا اليوم لمرحلة الخطر على السلامة الغذائية فهناك تجاهل من قبل السياسيين وأصحاب القرار والمسئولين. ثالثا على مستوى السقاية التي تحتكر 80% من الموارد المائية حيث لم يقع إلى اليوم تفعيل الدراسات التي تمت في هذا المجال ولم يسجل أي إنجاز، والمجامع المائية التي تم إنجازها مثقلة بالديون وذلك لأن الحلول التي اعتمدت كانت فقط اجتماعية. كما يصدم هذا التحدي بعراقيل اجتماعية تتمثل في تحطيم القنوات المائية من قبل المواطنين.

 

هذا إلى جانب العجز على مستوى الموارد المائية وسوء التصرف في النفايات الصلبة والتناقض بين الواقع الموجود والحلول والسياسات المعتمدة وغياب المؤشرات التي لا يمكن بدونها تحقيق أي إنجاز وضعف تأثير المجتمع المدني.

وللخروج من هذه الأزمة يجب أن يكون للمجتمع المدني دور حقيقي ويفرض خياراته، كما يجب أن يجتمع جميع الفاعلين لوضع إستراتيجية جماعية توافقية للدولة وذلك من خلال مسار يتم فيه أولا وضع رؤية يتم صياغتها في كلمتين حول منوال التنمية في تونس في 2030، من سيقوم به وكيف، ثم وضع إستراتيجية ومنها يقع وضع خطة تنموية، ثم تحديد مخطط عمل منطقي وقابل للتطبيق يقوم على أساسا على مؤشرات الرقابة والأداء. مع ضرورة إعلاء قيمة المقاربة التشاركية والمجالية وتحقيق المقاربة الإدماجية بين القطاعات وداخل القطاع الواحد مما سيجعل الجميع يتحمل المسؤولية مع الأخذ بعين الاعتبار الاعتبارات البيئية والاجتماعية.

 

أما الأستاذ عمر السيفاوي فقد استهل مداخلته في الحصة الصباحية الثانية حول "تسوية الأراضي الدولية والأراضي الاشتراكية وعلاقتها بالتنمية والعدالة الاجتماعية"بلمحة تاريخية عن كل من الأراضي الاشتراكية والدولية والقوانين التي نظمتها. وأكد أن هذا الموضوع يتطلب التمييز بين المصطلحين لما يحوم حولهما من جدل فقهي وخاصة فيم يتعلق بالأراضي الاشتراكية فهناك من يعتبرها نتيجة لوضع اجتماعي معين وهناك من يعتبرها نتيجة سياسة استعمارية أرادت أن تدرجها ضمن ملك الدولة الخاص القابل للتفويت عكس الأراضي الدولية التي تندرج ضمن ملك الدولة العام وهي غير قابلة للتفويت.

 

وقد خضعت هذه الأراضي لجملة من القوانين غيرت بصفة مستمرة من طبيعتها بسبب السياسات الاقتصادية المنتهجة عرفت تحولات عديدة من النظام التعاضدي إلى النظام الليبرالي.

ففيم يتعلق بالأراضي الدولية فقد صدرت بعد الثورة قوانين تطبيقية تتعلق بها بعد أن عرفت جمودا قانونيا لمدة طويلة لانطلاق عملية التسوية. إلا أنه تم توظيف عملية الإسناد سياسيا وأفرغت عملية التسوية من هدفها الأصلي وهو تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية وتحقيق التنمية.

وقد تم تحديد جملة من الآليات لتحقيق العدالة الاجتماعية فقد تم ضبط ثمن هذه الأراضي من قبل جملة من الأطراف إلا أنه صدر أمر من قبل رئيس الجمهورية في أكتوبر 2014 ألغى به منشور 2011 وأعاد النظر في تقدير الثمن وبالتالي عادت الحالة إلى ما هي عليه في السبعينات وهي وضعية تتسم بالخطورة حيث سيتم التفويت في هذه الأراضي بأبخس الأثمان فالأرض التي يقدر ثمنها بمليون دينار ونصف يصبح ثمنها حسب هذا الأمر 1500 دينار.

 

وقد أكد الأستاذ عمر السيفاوي على أن الحل يكمن في إدماج هذه الأراضي ضمن المنظومة التنموية مع ضرورة وجود برنامج لإنجاز العقود المتعلقة بها والتي يبلغ عددها 50.000 عقد.

 

أما بالنسبة للأراضي الاشتراكية فإنها تمثل ⅓ الأراضي في تونس مما يشكل تحديا تنمويا خاصة في المناطق الداخلية. حيث واجهت هياكل التصفية عائقا يتعلق ب"العروشية". إلى جانب ذلك يمثل رفع الصبغة الاشتراكية عن هذه الأراضي تحديا حيث سيفتح ذلك الباب أمام حروب أهلية بين مالكي هذه الأراضي الذين هم في الأصل متناحرون لاعتبارات انتمائية لعرش معين.

 

وعليه يجب أن تتشكل هيئة تحكيم بين العروش يكون لها سلطة تحكيمية وتتكون من قضاة ورجال قانون وهذا مشروع قانون موضوع الدراسة حاليا.

 

أما السيد الطاهر الودرني فقد ركز في مداخلته حول "التقسيم الترابي للبلاد التونسية" على كون اللامركزية ثقافة وقيمة وهي مرتهنة بوجود مواطنة فعالة. وقد استهل مداخلته بلمحة تاريخية عن وضع اللامركزية في تونس والتقسيم الترابي. وقد أكد أن الوضع الحالي لا زال يتسم بالمركزية على عدة مستويات. فالمسار التشريعي مازال لم يكتمل بعد ولا زال هناك غموض على مستوى تنزيل الباب السابع من الدستور.

 

فمسار اللامركزية اليوم في مرحلة حرجة خاصة بعد صدور قانون الانتخابات المحلية ومجلة الجماعات المحلية. فالأول سيعرض قريبا على مجلس النواب أما المجلة فلا زالت محل نقاش وجدل سياسي وقانوني لكونها مسقطة وكلها تنظير بعيد تماما عن واقع المنظومة التونسية. كما أنها تحتوي العديد من الفصول الغير دستورية.

 

وهذا التحدي يزداد حدة حيث أنه للمرور للانتخابات المحلية في موعدها المحدد يحب عرض القوانين المذكورة على مجلس النواب في حين أنه لا توجد أي رؤية واضحة لكيفية التقسيم الترابي.

 

ومن أجل إنجاح المسار يحب تفعيل مبادئ الحوكمة التي تقوم أساسا على النجاعة والكفاءة أولا والشفافية والتشاركية ثانيا والمساءلة ثالثا.

 

ومن أجل تحقيق التوازن على صعيد الإدارة اللامحورية والإدارة اللامركزية يجب أن يكون هناك توازن في الدستور والتشريع والاختصاصات والهيكلة. وعليه يجب أن يشرع قانون يحدد صلاحيات السلط اللامحورية لتفادي التداخل.

 

وقد ذكر السيد طاهر الودرني أنه توجد اليوم 159 بلدية في تونس تنضوي تحت طائلة المؤشرات الضعيفة.

 

وقد أكد أن التصور المطروح حاليا يذهب في اتجاه إحداث بلديات جديدة في تونس وأكد أنه يجب أن يتم ذلك حسب معايير موضوعية بدراسة المعطيات الموجودة وإعداد خطة نهائية للتقسيم الترابي الجديد. كما يجب التخلي عن التقسيم الإقليمي المعتمد على الشرق والغرب وتعويضه بتقسيم أفقي.

 

وقد خرج النقاش بالتوصيات التالية:

  • أولا ضرورة اعتماد الاقتصاد الاجتماعي التضامني الذي من شأنه إعادة هيبة الدولة والقضاء على القطاع الاقتصادي الغير منظم والموازي.
  • ثانيا وضعإستراتيجية اقتصادية شاملة ووطنية مع ضرورة دمج المقاربة اللامركزية ضمن هذه الإستراتيجية
  • يجب أن تحقق اللامركزية اقتساما على مستوى الصلاحيات مع تحديد آثار نقل هذه الصلاحيات على المستوى الجبائي والتنموي
  • إصلاح المنظومة التعليمية في اتجاه تدريس التخطيط الإستراتيجي
  • رفع سقف الطموحات حتى يكون هناك حافز
  • وجود رقابة على السلط فيم يتعلق بتنفيذ المشاريع عن طريق المساءلة الاجتماعية
  • ضرورة فرض الدولة لسيادتها على أراضيها
  • ضرورة إصلاح المنظومة الأمنية والديوانة
  • ضرورة وجود استمرارية بين المؤسسات التي يجب أن تقوم على برامج وليس أشخاص حتى لا يلغي أي مسؤول من سبقه
  • ضرورة تفعيل القطاع الخاص
  • اعتماد معايير موضوعية للتقسيم الترابي تعتمد على الكيف وليس الكم